محمود محمد الحنطور

102

النسخ عند الفخر الرازي

الذي يقول بأن التوجه إلى بيت المقدس وقع في الأصل بالكتاب ولكنه نسخ تلاوة وحكما ، يجد أن الذين قالوا بمنع النسخ في القرآن أخذوا هذه الفكرة ، وقالوا إنما الناسخ والمنسوخ مما رفعه اللّه إليه ولا يوجد عليه دليل ، فلا ناسخ ولا منسوخ في كتاب اللّه تعالى ، وهو مردود عليهم بأدلة ثابتة في مكانه من الكتاب ، فالقضية إذن في قوله تعالى وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ [ البقرة : 115 ] . قال الرازي « 1 » في تفسير الآية إن الأكثرين قالوا إنها نزلت في أمر يخص الصلاة ، وهو أقوى من قول غيرهم لوجهين ذكرهما : أنه المروى عن كافة الصحابة والتابعين وقولهم حجة ، وثانيهما : أن ظاهر قوله - فأينما تولوا - يفيد التوجه إلى القبلة في الصلاة ، ولهذا لا يعقل من قوله تعالى فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ إلا هذا المعنى ، فإذا ثبت هذا فنقول : اختلف القائلون به إلى وجوه : أحدها : أنه تعالى أراد به تحويل المؤمنين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة ، فبين تعالى أن المشرق والمغرب وجميع الجهات والأطراف كلها مملوكة للّه سبحانه ومخلوقة له ، فأينما أمركم اللّه باستقباله فهو القبلة لأن القبلة ليست قبلة لذاتها ، بل لأن اللّه تعالى جعلها قبلة ، فإن جعل الكعبة قبلة فلا تنكروا ذلك لأنه تعالى يدبر عباده كيف يريد وهو واسع عليم بمصالحهم ، فكأنه تعالى ذكر ذلك بيانا لجواز نسخ القبلة من جانب إلى جانب آخر ، فيصير ذلك مقدمة لما كان يريد اللّه تعالى من نسخ القبلة ، ومع ذلك فالرازى يميل في

--> ( 1 ) الرازي : التفسير الكبير 4 / 18 .